أهمية الحوسبة
في منظومة التأمين على المرض
عبد المجيد ميلاد
مهندس مختص في
تكنولوجيا المعلومات و الاتصال
منذ أن بدأ التفكير في تنفيذ المراحل الأولى لمشروع إصلاح التأمين على المرض، ما انفكت الأطراف المعنية من مضمونين اجتماعيين و أهل المهنة تطلب المزيد من التوضيحات حول أنشطة هذه المنظومة و آليات تنفيذها و و مردودها الاجتماعي و الاقتصادي على العائلة التونسية. و في غالب الأحيان، نلاحظ أن وسائل الإعلام و مصالح الصندوق الوطني للتأمين على المرض "كنام" ركزت بالخصوص على المواضيع المتعلقة بالجانب المالي للمشروع على غرار موضوع ثمن العيادة الطبية و نسبة استرجاع المصاريف و السقف السنوي بالنسبة لكل منخرط، إلى غير ذلك من المواضيع التي لها علاقة بالجانب الاقتصادي.
ما من شك أن هذا الجانب يكتسي أهمية بالغة و لكن لا ينبغي أن يكون بمثابة القطار الذي يخفي قطارا آخر، وهو قطار إدارة الكم الهائل من المعلومات و الخدمات و آليات التصرف فيه بالدقة المطلوبة و في الوقت المناسب و زرع الثقة و الطمأنينة في نفوس المعنيين بالمشروع. لسائل أن يسأل مثلا: كيف سيتم استرجاع المصاريف؟ و ما هي و سائل إثباتها؟ و كم هي المدة الزمنية التي سيستغرقها هذا الاسترجاع ؟، هذا بالنسبة للمضمون الاجتماعي، وكذلك نفس الشيء بالنسبة لأتعاب الطبيب المعالج، و تكاليف الإقامة بالمستشفيات و المصحات، و ثمن التحايل و الأدوية. ثم ماذا عن التاريخ المرضي للمضمون الاجتماعي؟ و كيف سيتم وضعه على ذمة الأطباء للاستغلال المشترك بهدف المساعدة على التشخيص الصائب في أسرع وقت و تلافي تكرار نفس التحاليل المخبرية و الكشوفات، و بالتالي زيادة الضغط على التكاليف. كل ذلك يتطلب نظام معلومات محوسب، بمعنى يعتمد على الحاسوب، مندمج بمعنى يعمل في إطار جماعي شبكي، يصل كل المعنيين بالمنظومة بعضهم البعض ليتيح لهم إمكانية تبادل المعلومات فيما بينهم، كل فيما يخصه، بكل ثقة واطمئنان.
و يمكن تعريف نظام المعلومات، في هذا المجال، على أنه مجموعة من العناصر البشرية والآلية، التي تعمل معاً على تجميع البيانات ومعالجتها وتحليلها وتبويبها، طبقاً لقواعد وإجراءات محددة، بهدف إتاحتها للمستفيدين وصانعي القرارات في شكل معلومات مناسبة ومفيدة.
على أساس هذا التعريف و علما و أن عدد المضمونين الاجتماعيين في بلادنا يناهز المليوني منخرط و حوالي ثمانية ملايين معني بهذا المشروع، يبدو صعبا بل و من المستحيل إدارة نظام معلومات هذا المشروع بطريقة يدوية. و ينبغي ضرورة اعتماد التكنولوجيات الحديثة للمعلومات و الاتصال لتوفير إمكانية التعامل مع نظام معلومات محوسب، بمعنى نظام معلومات يعتمد الجانب المادي في الإعلامية المكون من أجهزة الحواسيب و ملحقاته، و يعتمد كذلك الجانب اللامادي المكون من البرمجيات و التطبيقات حسب نوعية النشاط. و يجب أن تعمل تلك الحواسيب و التطبيقات في إطار شبكة معلومات مؤمنة، يجد فيها كل مستفيد المعلومة أو الخدمة التي يحتاجها.
و بما أن الحوسبة الشاملة لجميع عناصر نظام المعلومات تتطلب وقتا طويلا و إمكانيات مادية كبيرة و قدرات بشرية عالية، يمكن إنجازها على مراحل في إطار خطة مدروسة و استراتيجية واضحة. و في كل الحالات، ينبغي أن تتوفر بعض الأعمال التي بدونها لا نستطيع وصف نظام معلومات التأمين على المرض بالنظام المحوسب وهي :
- تركيز شبكة اتصال اجتماعية صحية؛
- إعداد البطاقة العلاجية الذكية و توزيعها على كافة المضمونين الاجتماعيين؛
- تطوير البرمجيات الضرورية التي تؤمن تحصيل الإجراءات الطبية التي يقوم بها المهنيون و توصيلها إلى بقية الأطراف الأخرى؛
- رقمنة السجل الطبي للمضمونين الاجتماعيين.
شبكة معلومات شاملة و مؤمنة
تشكل عملية إحداث شبكة اتصال، تصل جميع المتدخلين مثل الصندوق الوطني للتأمين على المرض و الصناديق الاجتماعية الأخرى و المستشفيات و المصحات و مختلف المهنيين كالأطباء و الصيادلة و مخابر التحاليل، أمرا ضروريا لإرساء النواة الأولى لشبكة المعلومات الاجتماعية و الصحية التونسية، على غرار الشبكة الفرنسية RSS(Réseau Social Santé) التي أحدثت خصيصا في إطار مشروع التأمين على المرض في فرنسا، و ذلك بوضع كوابل من الألياف البصرية إلى جانب السكك الحديدية المنتشرة في كامل البلاد الفرنسية.
بطاقة ذكية لكل مهني متعاقد مع الصندوق و أخرى لكل مضمون اجتماعي
البطاقة الذكية (Smart Card) هي بطاقة شبيهة في حجمها ببطاقة التعريف الوطنية أو بطاقة الائتمان البنكية، تحتوي على شريحة الكترونية قادرة على خزن بعض المعلومات الخاصة وبعض البرامج الخصوصية المؤمنة. تحمل هذه الشريحة مجموعة من المعلومات الشخصية لحاملها تتعلق بهويته و تاريخه الصحي و الطبي و رخصة قيادته و جواز سفره و حساباته البنكية. وبذلك، فهي تتضمن بنك معلومات متنقل يحتوي على جميع البيانات الخاصة بحاملها مما يسهل القراءة منها والكتابة عليها وتعديل المعلومات بصفة آنية. إضافة إلى البيانات و المعلومات، تتضمن كذلك تطبيقات خصوصية على غرار الرقم السري و مطابقة البصمة و التوقيع الالكتروني.
تعمل هذه البطاقة مع قارئ لها، ليشكلا معا جهاز تحكم يتيح المعلومات فقط لمستخدمين محددين. وهي بطاقة متعددة الاستعمالات حيث يعتمدها، مثلا، حاملها ليجمع فيها بياناته الشخصية. كما يعتمدها الصندوق للتثبت عن بعد من هوية المضمون الاجتماعي و المهني المتعاقد معه، و يعتمدها الطبيب للاطلاع على المسيرة المرضية لحاملها و تحديثها آنيا إن استوجب الأمر ذلك.
معدات و برمجيات ملائمة لنوعية النشاط
يشكل المهنيون عنصرا أساسيا في تطعيم نظام معلومات منظومة التأمين على المرض. فالطبيب مثلا، هو الذي يمتلك آليات التثبت من هوية مريضه و حقوقه، و يزود المنظومة بالإجراءات الطبية التي قام بها ليمكن المتدخلين الآخرين من استغلالها طبقا لمهمة واختصاص كل واحد منهم. فالصندوق يعتني خصوصا بالجانب المالي، و المريض يحين ملفه الصحي، و الأطراف المهنية الأخرى تقوم على أساسها بالإجراءات الوقائية و العلاجية.
يبدو من الصعب أن ينجز هذا المشروع الجبار المندمج الجماعي بطريقة يدوية. و إذا اتخذ قرار بطريقة محوسبة، ينبغي حينها أن يتوفر لكل مهني المعدات و البرمجيات التالية:
- التوصيلية بشبكة الإنترنت أو بالشبكة الاجتماعية و الصحية الخاصة إن توفرت؛
- قارئ البطاقات الذكية؛
- حاسوب شخصي؛
- برمجية تمكن من تحصيل الإجراءات الطبية المنجزة و إرسالها لمن يستحقها حسب قواعد محددة.
الملف الطبي الالكتروني
يعتبر الملف الطبي الوثيقة الأهم بالنسبة للمريض والطبيب معا، فمن ناحية هو يتضمن البيانات و المعلومات التي تتعلق بالتاريخ المرضي للفرد وتطور مشاكله الصحية، بمعنى آخر يدون المسيرة الصحية للمريض (Traçabilité). أما بالنسبة للطبيب، يمثل الملف الطبي المرجع المساند لتشخيص دقيق وعلاجات غير مكررة ولا متعارضة.
ويوصي المختصون مستخدمي الملفات الطبية بضرورة استبدال التعاملات الورقية بالتعاملات الآلية لما في ذلك من تخفيض لتكلفة الرعاية الصحية، وتسهيل تبادل المعلومات في المستشفيات، وتقليل الأخطاء البشرية. و هنالك إجماعا دوليا حول الحاجة إلى الملف الطبي الالكتروني و فوائده حيث يساهم في إتاحة معلومات شاملة عن المريض في سرعة فائقة وبكفاءة عالية و بأقل تكاليف.
لقد سبقتنا عدة دول متقدمة و نامية في مشروع إصلاح التأمين على المرض على غرار فرنسا و بلجيكا و ألمانيا و كندا و إنجلترا و الأردن و السعودية و قطر و الإمارات العربية المتحدة. و كلهم لم ينطلقوا في تنفيذ المشروع إلا بعد أن أعدوا أعمالا ضرورية تمكنهم من الانطلاق بنظام معلومات محوسب. ففي فرنسا و حسب إحصائيات نشرتها الحكومة الفرنسية و تتعلق بسنة 2003، تم تسليم ما يفوق عشرة ملايين بطاقة ذكية إلى المضمونين الاجتماعيين، و أكثر من 250 ألف بطاقة ذكية إلى المهنيين في المجال الصحي، و إعداد الملف الطبي المحوسب لكل منخرط في المنظومة DMP(Dossier Médical Partagé)، و معالجة ما يزيد عن مليار مطلب استرجاع مصاريف. أما دولة قطر، فقد شرعت في توزيع البطاقة الذكية على مواطنيها و سلمت ما يزيد عن 300 ألف بطاقة صحية ذكية إلى المنخرطين في المنظومة، بمعدل 5000 بطاقة يوميا. و سوف يتم تفعيل البطاقة الصحية الذكية في شهر ماي المقبل وذلك بعد الانتهاء من مشروع تسجيل المعلومات الطبية إلكترونيا وتسليم كافة البطاقات للسكان حيث يتوقع أن يتم تسليم حوالي 600 ألف بطاقة.
من خلال ما سبق ذكره، يتبين لنا أنه من الضروري إعداد بعض الأعمال الاستباقية التي يجب أن تواكب المراحل الأولى من تفعيل منظومة التأمين على المرض بهدف تأمين تبادل المعلومات و التثبت في صحتها و دقتها في الوقت المناسب من ناحية، و زرع الثقة و الطمأنينة لدى الأطراف المتدخلة و ضمان حقوقها.
و بدون شبكة اتصالات آمنة، و حد أدنى من البرمجيات و الأجهزة التي تؤمن تبادل المعلومات و التعاملات بين المعنيين بالمنظومة، و بطاقة ذكية لكل مضمون اجتماعي تحدد هويته و تتضمن تطور مسيرته الصحية، و بطاقة ذكية أخرى لكل مهني متعاقد مع الصندوق تحدد حقوقه و واجباته، يبدو لي شخصيا أن الشروع في تطبيق منظومة التأمين على المرض يعد مغامرة يصعب التكهن بنتائجها.