عبد المجيد ميلاد مهندس عام في تكنولوجيا المعلومات و الاتصال
صدر بجريدة "الصباح" في 9 جانفي 2005
يشار إلى العصر الذي نعيشه منذ زمن غير بعيد، في عديد المناسبات و في شتى وسائل الإعلام، بمصطلحي "عصر المعلومات" أو "عصر المعرفة" و كأنهما مصطلحان مترادفان يؤديان المعنى نفسه. على أنه و إن كان ممكنا أن يقود الإنسان، بفضل إرادته و قدرته و خبرته و مهارته، عصر المعلومات إلى عصر معرفة، فإن الاختلاف بين المصطلحين يظل قائما.
لقد قسم بعض علماء الاجتماع المراحل التي مرت بها الإنسانية على أساس حركة المجتمعات و كيف شهدت تطورها على مر الأزمنة و العصور. فوسموا المرحلة التي اهتدى فيها إنسان الشرق الأدنى القديم منذ آلاف السنين بالعصر الزراعي أو عصر الثورة الزراعية، و ذلك عندما اهتدى ذلك الإنسان إلى زراعة الحبوب و غراسة الأشجار و تدجين الحيوانات، فعرف الاستقرار و أصبح ينتج قوته عوضا عن جمعه. و صنع الفخار لتأمين خزن فوائض محاصيله و تحسين ظروف عيشه. و استمر هذا العصر إلى حدود حوالي منتصف القرن الثامن عشر حيث انطلق العصر الصناعي أو عصر الثورة الصناعية، فاخترع الآلة البخارية و القطار و الكهرباء و الهاتف و السيارة و الطائرة و غيرها من الاختراعات و الاكتشافات الهامة. و استبدل هذا العصر الحقل بالمصنع، كما استبدل صاحب الأرض أو الإقطاعي بصاحب المال أو الرأسمالي الذي يستطيع شراء المعدات لتجهيز المصنع و دفع أجور العمال و جني الأرباح. و لم تعد الزراعة تمثل النسبة الهامة في الاقتصاد، بل إن المجتمعات الاقتصادية المتطورة حققت اكتفاءها الذاتي من الغذاء و تجاوزته لتصدر الفوائض إلى الخارج، و مع ذلك فإن الزراعة لا تمثل إلا نسبة حوالي 5% من إنتاجها الوطني.
لقد استمر العصر الصناعي حوالي قرنين من الزمن ثم ظهر عصر تكنولوجيا المعلومات و الاتصال أو عصر ثورة المعلومات أو عصر الثورة المعلوماتية أو عصر الثورة الرقمية، في النصف الثاني من القرن العشرين، فحول مركز الثقل من المصنع إلى الحاسوب بعد أن حول العصر الصناعي الحقل إلى المصنع، و استلم القيادة من الآلة في المصانع ليسلمها إلى النظم المعلوماتية و الإلكترونية المنتشرة في كل مكان و المستخدمة من قبل مختلف الشرائح. و أصبحت المعلومة المادة الأولية المستديمة التي لا تنضب على عكس العصر الصناعي الذي يستخدم مواد أولية محدودة الاستغلال في المكان و الزمان. و كان أن فرض عصر المعلومات تغيرا جذريا على الإنسان في طرق عمله و أنماط تفكيره و أساليب عيشه و نظم تعلمه و سائر علاقاته و عاداته و تقاليده. كما أصبح الذكاء، وهو قاسم مشترك و ملك مشاع بين الشعوب، المقياس الجديد لتقدم الأمم بعد أن كان المعيار هو مدى ما تملكه الأمم من ثروة المال أو ما تحتويه التربة من مادة أولية متفاوتة بين الشعوب غنى و فقرا. و بحسب المقاييس الجديدة لارتقاء الأمم، فإن الإنسانية تقف على عتبة سباق واحدة لتقفز الشعوب التي تهيئ كما ينبغي لمستلزمات الثورة الرقمية و تحسن استغلال ما يمكن أن توفره تكنولوجيا المعلومات و الاتصال من منافع و آليات تساعد على حيازة مقعد ضمن مقاعد الأمم المتقدمة.
و لنذكر التجربة الهندية على سبيل المثال لا الحصر: إن الهند وهي المصنفة ضمن قائمة الدول الفقيرة النامية إذ يعيش 30% من مواطنيها بأقل من دولار واحد في اليوم، دولة غنية بذكاء أبنائها. فاستقطابها لصناعة تقنية المعلومات مكنها من أن تصبح، في سنة 2003، المصدّر الرئيسي للبرمجيات إلى معظم بلدان العالم و خاصة الدول المتقدمة منها. لقد استوعب هذا التصدير حوالي 62% إلى الولايات المتحدة الأمريكية و 30% إلى أوروبا. و تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات و الاتصال الذي يشهد سنويا نسبة نمو تفوق 40%، سوف يكون مصدر نمو ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 7 و 8 بالمائة في سنة 2008. و حينها ستتخطى قيمة صادراتها في هذا المجال قيمة 60 مليار دولار سنويا، وهو مبلغ يزيد عن ميزانية عدة دول مجتمعة. و يعود السر في كل هذا النجاح إلى المراهنة على العقول الذكية إذ يشتغل حاليا حوالي 500 ألف مختص في صناعة البرمجيات، و يتوقع أن يصل هذا العدد إلى حوالي مليونين و نصف بحلول سنة 2008. كما لا يجب أن ننسى أن 38% من العاملين في شركات وادي السليكون (Silicon Valley) بالولايات المتحدة الأمريكية هم من الهنود أو من أصل هندي، و أن حوالي ثلث كفاءات العالم المتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلومات و الاتصال هم كذلك من الهنود أو من أصل هندي.
إن الإشارة إلى عصر المعلومات ليست وصفا دقيقا للعصر الذي نعيشه. فالإنسان يبني زاده العلمي، في البداية، من خلال بيانات (Données) يتلقاها باستمرار في شكل رموز و شواهد و غيرها. وهي كثيرة و متفرقة و ليست في بعض الأحيان مفيدة عندما تستخدم بصفة منفردة. ثم يتم تحويلها إلى معلومات (Informations) استنادا إلى معايير تتيحها مجموعة معارف أو ما نسميها عادة قاعدة معرفة (Base de connaissance) ناتجة عن تراكم خبرات و مهارات و قدرات و قيم إنسانية. كما يقصد بالمعرفة تفسير المعلومات استنادا إلى قاعدة المعرفة بما يتيح الفهم الواضح للحقائق و الطرق و الأساليب و المبادئ و إمكانية تطبيقها عند ممارسة الأنشطة و الأعمال. و عن طريق الدمج و المقاربة بين المعلومات المتوفرة و قاعد المعرفة، يمكن خلق معارف جديدة تضاف بدورها إلى قاعدة المعرفة القائمة. و بذلك ينتقل الإنسان في حركة ديناميكية بين البيانات و المعلومات و المعرفة لتحويل البيانات إلى معرفة و تفسير المعلومات و إثراء زاده المعرفي. و الفرد في مجتمع المعلومات هو الذي يستخدم وسائل تكنولوجيا المعلومات و الاتصال استنادا إلى قاعدة معرفة لا يشارك بالقدر الكافي في إثرائها بمعارف جديدة، في حين أن فرد مجتمع المعرفة يتميز بحسن استغلال تلك الوسائل و توظيف قدراته لإثراء قاعدة المعرفة و توسيع خبرته و تحسين مهارته. و لنفترض، على سبيل التمثيل، عملية تحميل برمجية حرة من شبكة الإنترنت إلى حاسوب معين، فإن ذلك يوفر لصاحبه منظومة مفتوحة المصدر و مجانية. و لكن تطويعها لحاجيات خصوصية، مثل تعريب وسطها البيني الذي يؤمن إدخال البيانات إلى الحاسوب أو استخراجها منه، يتطلب قدرة و مهارات إضافية تتيح خلق معرفة جديدة. فهنالك فرق بين من بترقب نسخا متطورة للبرمجية و يكتفي بتحميلها و استغلالها على حالها، (و ذلك فرد من مجتمع المعلومات)،
و بين من يثريها بوظائف جديدة و ينمي قاعدة المعرفة (وذلك فرد من مجتمع المعرفة). إن عملية إنتاج المعرفة – لا شك - تعتمد على وجود المعلومات بصورة وافرة، و عصر المعلومات يمكّن من ذلك بفضل وسائل تكنولوجيا المعلومات و الاتصال كالحواسيب و الأقمار الصناعية و شبكة الإنترنت و الشبكات الخلوية و غيرها. و لكن الإنسان المتمكن من العصر و المستوعب له يستطيع، بفضل إرادته و قدرته على الإبداع و الإضافة، أن يقود مجتمع المعلومات نحو مجتمع المعرفة.