|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
و منذ زمن غير بعيد برزت أحداث تكنولوجية تتعلق بالإعلامية و الاتصالات التي اعتمدت من قبل الحكومات في إدارة بياناتها و إسداء خدماتها، فساهمت هذه التكنولوجيات الحديثة بصفة فعالة في تحويل هذا التنظيم التقليدي للحكومة إلى تنظيم رقمي جديد و ظهور ما اتفق على تسميته بمشروع الحكومة الالكترونية. و يشكل هذا المشروع عاملا أساسيا في الارتقاء بالخدمات الإدارية حاضرا و مستقبلا، كما يعد واحدة من أبرز التطبيقات الحديثة الواعدة و المساهمة في الرفع من جودة حياة الشعوب مثل التجارة الالكترونية و الزراعة الالكترونية و التعليم عن بعد و الطب عن بعد. يستعمل البعض مصطلح "الحكومة الالكترونية" و يستعمل البعض الآخر مصطلح " الإدارة الالكترونية" أو "الإدارة الاتصالية"، فهل هما مصطلحان مختلفان أم مترادفان؟. يقول الباحثون و المختصون أن هنالك علاقة بين هذين المصطلحين وهي علاقة الجزء بالكل، فالإدارة الالكترونية هي الجزء وتعني تحويل جميع العمليات الإدارية ذات الطبيعة الورقية إلى عمليات ذات طبيعة الكترونية باستخدام التطورات التقنية الحديثة و ما نعبر عنه في كثير من الأحيان بمصطلح "إدارة بلا ورق". فالإدارة الالكترونية تتعلق بأعمال إدارية في وسط إداري محدد ، في حين أن الحكومة الالكترونية هي أشمل من ذلك لأنها بالإضافة إلى الأعمال الإدارية فهي تعالج كذلك الأعمال السياسية مثل تأمين الانتخابات و فرزها على الخط، ثم إن الحكومة الالكترونية لا تتعلق أساسا بالقطاع العمومي فقط و إنما كذلك بالقطاع الخاص و مكونات المجتمع المدني. فالإدارة الاتصالية هي إذن جزء من الحكومة الالكترونية على مستوى نوعية الأنشطة و كذلك على مستوى حدود و مدى تطبيقها. عادة ما ينطلق مشروع الحكومة الالكترونية الناجح برؤية واضحة يتم إدراجها في أجندة و دمجها ضمن مخططاتها التنموية و الاقتصادية. و يمر تجسيم هذه الرؤية بعدة مراحل أولها، و لعل أهمها، هي مرحلة إعداد استراتيجية لمشروع الحكومة الالكترونية. تتسم هذه الاستراتيجية بالوضوح و ترسم التوجهات العامة و الخطوط الأساسية للمشروع، و تبين مختلف الموارد المالية و البشرية الضرورية و مراحل الإنجاز و آليات متابعتها و تقييمها و تعديلها في الأوقات و الظروف المناسبة، هو مشروع غير محاط بالقدر الأدنى من مقومات النجاح. و حتى و إن تم في بعض الحالات إعداد تلك الاستراتيجية، فلا ينبغي أن تقتصر فقط على بعض التوجهات و الأهداف العامة و لكن يجب أن تتضمن المحاور التالية على الأقل: § التخطيط لإنشاء بيئة ملائمة من حيث تحديد أهداف ذكية بمعنى واقعية، قابلة للتنفيذ و القياس و التقييم و التعديل ، و ذلك في أي مرحلة من مراحل المشروع. و كذلك إعادة هندسة الإجراءات الإدارية أو هندرتها بمعنى دراستها و ملاءمتها مع البيئة الرقمية الجديدة. كما يتضمن هذا المحور ضرورة توفير بيئة قانونية سانحة للتعامل العادي و الطبيعي مع البيئة الإلكترونية الجديدة. و يقتضي مشروع هام من هذا الحجم بعث لجنة توجيهية متعددة الاختصاصات في الشبكات الرقمية و الإعلامية و سلامة نظم المعلومات و غيرها من الاختصاصات التكنولوجية، قادرة على الإشراف الفني و إدارة هذا النوع من المشاريع و تسيير مختلف مراحل تنفيذه. § التوصيلية إلى خدمات الحكومة الالكترونية من حيث توفير الآليات الضرورية التي تمكن كل من يتعامل مع الإدارة و ينتفع بخدماتها من مواطنين و مؤسسات و مكونات المجتمع المدني من الحصول على وسائل الوصول إلى المعلومات و الخدمات بطريقة الكترونية. و خاصة مساعدة الأفراد على ما نسميه بالإنتماء المجتمعي (Inclusion sociale) و عدم تهميشهم أو ما نعبر عنه بالاستبعاد المجتمعي (Exclusion sociale). و من هذه الآليات مثلا التخفيض في كلفة الاتصالات و تمكين الأفراد و العائلات من اقتناء حواسيب بطرق ميسرة. و كذلك إحداث مراكز عمومية موزعة في كافة المناطق واستغلال خدماتها بأثمان معقولة. على سبيل المثال و بالنسبة للبلاد التونسية، انطلق المشروع الرئاسي للحاسوب العائلي في شهر أفريل 2001 ومكّن الأسر ذات الدخل المتواضع من التمتع بامتيازات وتسهيلات في الدفع. و بعد ست سنوات، فاق عدد الحواسيب العائلية الستين ألف أي بمعدل ما يفوق 10 آلاف حاسوب عائلي في السنة. كما توفر الدولة فضاءات عمومية في كامل تراب الجمهورية (Publinet) يستطيع المواطن من خلالها إجراء عملياته الالكترونية. كذلك هنالك آليات أخرى توفرها بعض البنوك و الشركات الخاصة مثل آلية الحاسوب بدينار في اليوم. § المحتوى من حيث دراسة و تصنيف البيانات على غرار تحديد البيانات المستقرة التي لا تتطلب تعديلات كثيرة طيلة استغلالها مثل الإسم و اللقب و الجنس، و في المقابل ما هي البيانات الديناميكية التي عادة ما تقتضي تعديلات متتالية مع مرور الزمن مثل رتبة الموظف و وظيفته و نشاطه. و يتضمن المحتوى كذلك إعداد النماذج و المعايير و المقاييس بالنسبة للمعلومات و الخدمات طبقا للأهداف المرسومة. و يتطلب محور المحتوى على غرار المشروع ككل بعث لجنة وطنية تعنى بتقييس النماذج و تحديد المعايير و التنسيق بين المصالح الإدارية و متابعة التنفيذ و التقييم و التعديل إذا اقتضى الأمر ذلك. § المحور الفني من حيث : _ توفير البنية الأساسية من شبكات اتصالية تربط مصالح الهيكل الواحد أو مصالح المؤسسة الواحدة في إطار شبكات معلوماتية محلية أو تربط مصالح و مؤسسات متباعدة في إطار شبكات واسعة النطاق. و ينبغي أن تكون هذه الشبكات آمنة و سليمة بواسطة تركيز أجهزة و برمجيات تدعي جدران النار (Firewalls) و بروكسيات (Proxies) في أماكن مدروسة على تلك الشبكات. _ تحديد التطبيقات و البرمجيات التي سيتم اقتناؤها و تطويرها لتشغيل نظم المعلومات و تحصيل البيانات و خزنها و تحيينها و معالجتها و تبادلها عبر الشبكات. _ تهيئة بنية المفتاح العام التي تتضمن زوجا من المفاتيح يستخدم الواحد للتشفير عند إرسال البيانات و الآخر لفك التشفير عند الاستقبال. و الهدف من تركيز هذه البنية هو تأمين هويتي المرسل و المرسل إليه و كذلك تأمين سرية البيانات المتبادلة و سلامتها و تكاملها. _ تهيئة الظروف الملائمة لإعداد البطاقة الذكية التي يمكن أن تستوعب كل البيانات الشخصية للأفراد و تعفي المواطن من ملء العديد من النماذج الإدارية بتلك البيانات. المحور الرابع هو إذن المحور الفني للحكومة الإلكترونية. أما المحور الخامس و الأخير فهو يتعلق بتأهيل موظفي و أعوان الإدارة على مشروع الحكومة الالكترونية و تكوينهم و بناء قدراتهم لاستغلال التكنولوجيات الحديثة للمعلومات و الاتصال و التعامل معها على النحو الأمثل في بناء مشروع الحكومة الالكترونية. و استراتيجية الحكومة الالكترونية هي بمثابة الحقيبة التي تحتوي على المحاور التي ذكرتها والتي تشكل العوامل الرئيسية و الضرورية لإنجاح مشروع الحكومة الالكترونية. و بالتالي فإن مشروع حكومة إلكترونية بدون استراتيجية يمكن تشبيهه مسافر إلى وجهة بعيدة و لا يحمل معه حاجيات و ضروريات السفر. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||