الفجوة اللغوية في عصر المعلومات
|
عبد المجيد ميلاد مهندس عام في تكنولوجيا المعلومات و الاتصال |
صدر بجريدة "الصباح" في 3 جانفي 2006
لقد اختلف دارسو اللغة في عصر المعلومات اختلافا واضحا. فمنهم أصحاب النظرة المتشائمة الذين يدرجونها ضمن ضحايا عصر المعلومات نظرا إلى سيطرة اللغة الإنجليزية المطلقة على محتوى شبكة الإنترنت؛ و منهم أصحاب النظرة المتفائلة الذين يعتبرون أن هذه الشبكة هي وسيلة لإحياء اللغة و حماية لغات الأقليات و أداة ناجعة لتأمين التواصل اللغوي عبر الثقافات و الحفاظ على تراث الإبداع اللغوي من قصة و شعر و مسرح و غير ذلك.
ظاهرة اندثار اللغات في العالم
انطلاقا مما جاء في أطلس للغات المهددة في العالم، بالاندثار، أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتربية و الثقافة و العلوم (اليونسكو)، سارعت هذه المنظمة في المطالبة بالتنوع اللغوي و حماية التراث اللغوي الإنساني. و فضلا عما تمثله اللغات من حضارات أمم و تراثها الثقافي و الاجتماعي فهي أداة التواصل بين مختلف الأجيال. لذلك أعدت منظمة اليونسكو قواميس و تسجيلات اللغات التي قد أوشكت على الانقراض، و نادى مديرها العام كويشيرو متسورا (Koïchiro Matsura) بالعناية بكل اللغات فقال في رسالة وجهها بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم : "علينا أن ننظر إلى كل اللغات نظرة مساواة لان كل واحدة منها هي جواب فريد عن الشرط الإنساني، كما هي تراث حي يستحق العناية".
في إفريقيا، مثلا، لا يزال عدد من بلدان القارة السمراء يكرس هيمنة بعض اللغات السائدة مثل "السواحيلية" في شرق إفريقيا، واللغات الموروثة عن عهود الاستعمار. و يبين الأطلس الصادر عن منظمة اليونسكو بشأن التنوع اللغوي، أنه من أصل 1400 لغة محلية إفريقية، هنالك ما بين 500 و 600 لغة في حالة تقهقر و حوالي 250 لغة مهددة بالاندثار. و في أمريكا الشمالية و قبل الاستعمار الأوربي للقارة الأمريكية، كان للهنود الحمر لغاتهم الخاصة بهم، يبلغ عددها حوالي 150 لغة، مازالت تواجه خطر الانقراض، بل إن معظمها قد انقرض فعلا. وفي أمريكا الوسطى والجنوبية، تواجه اللغات الهندية الأصلية الهيمنة المطلقة للبرتغالية والأسبانية. لذلك انقرضت، في المكسيك، 24 لغة محلية، بينما في أمريكا الجنوبية، لا تزال 375 لغة محلية تواجه خطر الاندثار.
و الظاهر من مراحل التاريخ البشري أن اللغات لا تعيش إلى الأبد. فاللغة تنشأ و تنمو و تزدهر لفترة محدودة، ثم تختفي مثلما تختفي الثدييات، كالديناصورات، و الطيور و النباتات. و قد ظهرت و ازدهرت، حسب علماء التنوع اللغوي، لغات كثيرة ثم آلت إلى الاندثار، دون أن تترك، في غالب الأحيان، أي أثر لحضارات أصحابها و عاداتهم و تقاليدهم. و كل لغة منقرضة، تكون قد استمرت لفترة قصيرة، نسبيا، إذ قليل من اللغات التي يزيد عمرها على ألفي سنة مثل اللغات المصرية القديمة و اليونانية و الفارسية و غيرها.
الجديد في الأمر هو تنامي السرعة المعجلة بانقراض اللغات. و مرد هذه الظاهرة إلى عدة أسباب أهمها: الغزوات الاستعمارية منذ قرون مضت، و الثورة الرقمية التي نعيش بداياتها.
الفجوة اللغوية
لم تفقد أوروبا، خلال القرون الثلاثة الأخيرة، أكثر من عشر لغات، في حين أدى استعمار يلدان هذه القارة لعدة مناطق في العالم إلى فرض لغاتها على الشعوب المستعمرة و انقراض ما يزيد على 15% من اللغات المحلية. ففي البرازيل، على سبيل المثال، انقرض أكثر من ثلاثة أرباع اللغات المحلية، (حوالي 540 لغة) منذ بداية الاستعمار البرتغالي في عام 1530 م. و في أستراليا، فلم يبق الاستعمار الأوروبي، في نهاية القرن الثامن عشر، إلا 20 من أصل 250 لغة محلية.
أما بخصوص الثورة الرقمية، و دعامتها الأساسية شبكة الإنترنت، فقد ورد في أحد تقارير منظمة اليونسكو، الصادر مؤخراً، أن، من ضمن الستة آلاف لغة، هناك 500 لغة فقط ممثلة على الشبكة، معظمها ذو وجود ضعيف للغاية. و حسب إحصائيات سنة 2004 لمكاتب دراسات موثوقة، تسع لغات منها فقط تسيطر على بقية اللغات الأخرى بصفة واضحة لا لبس فيها. فلو أخذنا عدد الموزعات المتوفرة على شبكة الإنترنت و التي تعطينا فكرة عن محتوى تلك الشبكة و مصدره، يمكن أن نستنتج الجدول الموالي لتفصيل نصيب تلك اللغات:
|
اللغة |
النسبة |
|
الانجليزية |
68.4% |
|
اليابانية |
5.9% |
|
الجرمانية |
5.8% |
|
الصينية |
3.9% |
|
الفرنسية |
3% |
|
الاسبانية |
2.4% |
|
الروسية |
1.9% |
|
البرتغالية |
1.4% |
|
الايطالية |
1.4% |
|
الكورية الجنوبية |
1.3% |
|
بقية اللغات
(و عددها 491 لغة) |
4.6% |
هذا، مع العلم أن نسبة رصيد الدول العربية مجمعة على الشبكة لم يتجاوز صفر فاصل بعض الكسور (0.28%) ، في حين أن العرب يمثلون ما يناهز 4.5% من مجموع سكان العالم.
تبرز هذه المؤشرات أن هناك فجوة لغوية فاصلة بين الإنجليزية و الثماني لغات التي تليها من ناحية و هوة لغوية عميقة قائمة بين الإنجليزية و غيرها من اللغات المتبقية، من ناحية أخرى.
و هذا الوضع، ينذر، حسبما تؤكده كذلك تقارير منظمة اليونسكو، بتسارع معدل انقراض اللغات التي لا تتطور و لا تتفاعل مع التكنولوجيات الحديثة للمعلومات و الاتصال. و قد وصل هذا المعدل حالياً إلى انقراض لغة إنسانية كل أسبوعين. و يتوقع علماء التنوع اللغوي انقراض نصف الموروث اللغوي لعامة البشرية، أي 3000 لغة من جملة 6000 لغة المستخدمة حاليا بحلول منتصف هذا القرن. كما يتوقعون اختفاء 90% من اللغات بحلول 2100.
صراع اللغات في عصر المعلومات
يبدو من خلال ما سبق أن هنالك علاقة بين تسارع التكنولوجيات و تأثيرها القوي في تزايد انقراض اللغات، وهو ما قد يبرر تشاؤم البعض بخصوص مستقبل التنوع اللغوي و الحفاظ على لغات الشعوب و لكن، في مقابل ذلك، للبعض الآخر الحق في التفاؤل حين يرى أن طغيان اللغة الإنجليزية في تقلص مستمر, فبينما مثلت الإنجليزية في بداية ظهور الإنترنت ما يزيد على 95% من حجم البيانات المتبادلة، تراجعت هذه النسبة إلى حوالي 80% في سنة 2001 و إلى 68.4% في سنة 2004. و هناك من يتوقع أن تفقد اللغة الإنجليزية وضعها الرقمي المهيمن بحلول عام 2015. و يعود هذا التراجع إلى نمو و ازدهار لغات أخرى مثل اليابانية و الصينية و الجرمانية. فعلى أي شعب، إذا أراد الحفاظ على لغته من الانقراض، أن يطورها و ينميها و يثري بواسطتها الرصيد العالمي على شبكة الشبكات. فالفترة الراهنة تعد فترة صراع بين اللغات، هدفها، في عصر المعلومات، احتلال مكانة مرموقة في سلم الحي و المزدهر من لغات العالم.
|